البنك الدولي: السيادة الرقمية ركيزة لتحقيق تنمية رقمية مستدامة
باتت السيادة الرقمية إحدى أبرز القضايا التي تتصدر أجندة السياسات العامة في ظل التسارع الكبير لتقنيات الذكاء الاصطناعي، مع سعي الدول، وخاصة منخفضة ومتوسطة الدخل، إلى تحقيق توازن بين تعزيز استقلالها الرقمي والاستفادة من البنية التحتية العالمية التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي، وفق ما تم نشره في موقع البنك الدولي.
ويتمثل جوهر هذا التحدي في أن جزءاً كبيراً من البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك مراكز البيانات والخدمات السحابية والمنصات الرقمية، يُدار أو يُمتلك من قبل جهات خارج الحدود الوطنية، وهو ما يثير تساؤلات بشأن قدرة الحكومات على حماية بياناتها، وضمان سيادتها التنظيمية، والتحكم في الخدمات الرقمية التي يعتمد عليها المواطنون والمؤسسات.
ومع توسع استخدامات الذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات الحكومية، أصبحت إدارة هذه التحديات أكثر إلحاحاً، إذ تحولت السيادة الرقمية إلى محور رئيسي في النقاشات الدولية، بدءاً من المبادرات الإفريقية الخاصة بالذكاء الاصطناعي وصولاً إلى القمم العالمية التي تبحث مستقبل الاقتصاد الرقمي.
مفاضلات بين الاستقلال والانفتاح
ويرى خبراء أن تحقيق السيادة الرقمية لا يعني بالضرورة الانعزال عن المنظومة الرقمية العالمية، بل يتطلب اتخاذ قرارات استراتيجية تحدد المجالات التي تستوجب الاستثمار في البنية التحتية والقدرات المحلية، مقابل القطاعات التي يكون فيها الاندماج مع الشبكات والخدمات العالمية أكثر كفاءة وأقل تكلفة.
وتختلف هذه الأولويات من دولة إلى أخرى؛ ففي الدول المتأثرة بالنزاعات أو الكوارث الطبيعية، تتركز الجهود على ضمان استمرارية الخدمات الرقمية وتعزيز مرونة البنية التحتية، بينما تسعى الاقتصادات الصاعدة إلى تطوير منظومات وطنية للذكاء الاصطناعي، وتشجيع الشركات الناشئة، وتنمية الكفاءات المحلية.
توطين البيانات.. حماية أم تكلفة إضافية؟
ويبرز توطين البيانات كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل في هذا السياق، إذ يرى مؤيدوه أن تخزين البيانات داخل الحدود الوطنية يعزز حماية الخصوصية، ويسهل تطبيق القوانين المحلية، ويحد من استغلال البيانات من قبل المنصات العالمية.
في المقابل، تشير التجارب الدولية إلى أن توطين البيانات لا يضمن وحده حماية الحقوق الرقمية، إذ تبقى فعالية هذه السياسات رهينة بوجود تشريعات قوية، وآليات رقابية فعالة، وضمانات تقنية متطورة لحماية البيانات.
كما تحذر دراسات دولية من أن فرض توطين شامل للبيانات قد يرفع تكاليف استضافة البيانات بنسبة تتراوح بين 15 و55 بالمائة، وهو ما قد ينعكس سلباً على المؤسسات الصغرى والمتوسطة ويؤثر في تنافسيتها.
التعاون الإقليمي يعزز السيادة
وفي ظل الطبيعة العابرة للحدود للاقتصاد الرقمي، يؤكد خبراء أن تعزيز السيادة الرقمية لا يتحقق فقط عبر السياسات الوطنية، بل أيضاً من خلال التعاون الإقليمي واعتماد معايير وتشريعات مشتركة، بما يمنح الدول النامية قدرة أكبر على التفاوض مع الشركات العالمية والتأثير في قواعد الاقتصاد الرقمي.
وتندرج في هذا الإطار مبادرات إقليمية تهدف إلى توحيد الأطر التنظيمية وتنسيق السياسات الرقمية، بما يعزز التشغيل البيني، ويخفض التكاليف، ويخلق سوقاً رقمية أكثر تكاملاً.
ويخلص التقرير إلى أن السيادة الرقمية ليست هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق تنمية رقمية أكثر شمولاً واستدامة، من خلال وضع أهداف واضحة تتلاءم مع خصوصية كل دولة، وإشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص في رسم السياسات، بما يضمن تحقيق التوازن بين حماية المصالح الوطنية والانفتاح على الاقتصاد الرقمي العالمي.
وفي هذا السياق، تعمل مجموعة البنك الدولي على إعداد دليل توجيهي جديد يهدف إلى مساعدة الدول على تبني نهج عملي قائم على النتائج، يوازن بين متطلبات السيادة الرقمية وأهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية في عصر الذكاء الاصطناعي.
صلاح الدين كريمي